ابن قيم الجوزية

218

الروح

وأما قوله تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 1 » فمعلوم قطعا أنه ليس المراد هاهنا بالأمر الطلب الذي هو أحد أنواع الكلام ، فيكون المراد أن الروح كلامه الذي يأمر به ، بل إنما المراد بالأمر هاهنا المأمور ، وهو عرف مستعمل في لغة العرب ، وفي القرآن منه كثير كقوله تعالى : أَتى أَمْرُ اللَّهِ « 2 » أي مأموره الذي قدره وقضاه وقال له : كن فيكون . وكذلك قوله تعالى : فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ « 3 » أي مأموره الذي أمر به من إهلاكهم ، وكذلك قوله تعالى : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ « 4 » وكذلك الخلق يستعمل بمعنى المخلوق كقوله تعالى للجنة أنت رحمتي فليس في قوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 5 » ما يدل على أنها قديمة غير مخلوقة بوجه ما . وقد قال بعض السلف في تفسيرها : جرى بأمر اللّه في أجساد الخلق وبقدرته استقر . وهذا بناء على أن المراد بالروح في الآية روح الإنسان وفي ذلك خلاف بين السلف والخلف وأكثر السلف بل كلهم على أن الروح المسؤول عنها في الآية ليست أرواح بني آدم بل هو الروح الذي أخبر اللّه عنه في كتابه أن يقوم يوم القيامة مع الملائكة وهو ملك عظيم « 6 » . وقد ثبت في الصحيح من حديث الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد اللّه قال : بينا أنا أمشي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في حرة المدينة وهو متكئ على عسيب ، فمررنا على نفر من اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، وقال بعضهم لا تسألوه عسى أن يخبر فيه بشيء تكرهونه ، وقال بعضهم نسأله ، فقام رجل فقال : يا أبا القاسم ما الروح ؟ فسكت عنه رسول اللّه

--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية 85 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية 1 . ( 3 ) سورة هود ، الآية 101 . ( 4 ) سورة النحل ، الآية 77 . ( 5 ) سورة الإسراء ، الآية 85 . ( 6 ) قال ابن عباس : هو جبريل عليه السلام ، مستدلا على ذلك بقوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ واستدل الحسن بالقرآن الكريم بقوله تعالى : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا .